سيد محمد طنطاوي
93
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبجوارح خاشعة ، أن يرزقه الذرية الصالحة . ولقد حكى القرآن دعاءه بأسلوبه المؤثر فقال : * ( قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) * . أي ، قال زكريا مناجيا ربه : يا رب أنت الذي خلقتني ، وأنت الذي لا يقف أمام قدرتك شيء ، وأنت الذي جعلتني أرى من أحوال مريم ما يشهد بقدرتك النافذة وفضلك العميم فهب لي يا خالقي من عندك ذرية صالحة تقر بها عيني ، وتكون خلفا من بعدي * ( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) * أي إنك عليم بدعائى علم من يسمع ، قريب الإجابة لمن يدعوك ، فإن أجيب لي سؤالي فبفضلك وإن لم تجبه ، فبعدلك وحكمتك . فأنت ترى في هذا الدعاء الذي صدر عن زكريا - عليه السّلام - أسمى ألوان الأدب والخشوع والإنابة . فقد رفع أكف الضراعة في مكان مقدس طاهر ، وفي التعبير بقوله * ( دَعا زَكَرِيَّا رَبَّه ) * إشارة إلى تسليمه اللَّه وإلى شعوره بقدرة اللَّه على كل شيء ، فهو الذي خلقه ورباه وتولاه برعايته في كل أدوار حياته . وفي قوله * ( هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ) * إشعار بأنه يريد من خالقه - عز وجل - أن يعطيه هذه الذرية بلا سبب عادى ، ولكن بإرادته وقدرته لأنه لو كان الأمر في هذا العطاء يعود إلى الأسباب والمسببات العادية لكان الحصول على الذرية مستبعدا إذ هو قد بلغ من الكبر عتيا وزوجته قد تجاوزت السن التي يحصل فيها الإنجاب في العادة . أي هب لي من عندك لا من عندي ، لأن الأسباب عندي أصبحت مستبعدة . وفي تقييد الذرية بكونها طيبة ، إشارة إلى أن زكريا لقوة إيمانه ، ونقاء سريرته ، وحسن صلته بربه ، لا يريد ذرية فحسب وإنما يريد ذرية صالحة يرجى منها الخير في الدنيا والآخرة . وجملة * ( إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) * تعليلية ، أي إني ما التجأت إليك يا إلهي إلا لأنك مجيب للدعاء غير مجيب للرجاء . قال القرطبي ما ملخصه « دلت هذه الآية على طلب الولد وهي سنة المرسلين والصديقين . قال اللَّه - تعالى - : ولَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وذُرِّيَّةً . . وقد ترجم البخاري على هذا « باب طلب الولد » وقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لأبى طلحة حين مات ابنه « أعرستم الليلة » قال نعم . قال : « بارك اللَّه لكما في غابر ليلتكما » فقال رجل من الأنصار فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرؤا القرآن ، والأخبار في هذا المعنى كثيرة . تحث على طلب الولد لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد مماته . قال صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث : فذكر منها « أو ولد صالح يدعو له » ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 72 .